السيد كمال الحيدري

336

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

وعلى أيّ حال ، فلنا أن نسأل عن سرّ عدم الإكراه ، مع أنَّ في الإكراه على فعل الخير وانتخاب الأفضل خيراً وعافية ، بل هو موافق للسيرة العقلائية أيضاً ، نظراً لِما فيه من السعادة والطمأنينة في الدارين ؟ والصحيح هو أنَّ الخير والعافية الحقيقيَّين ، والسعادة والطمأنينة الأبديتين ، إنما تكمن في الاختيار لا في الإكراه ، فإكراه العاقل الراشد المختار سلب لكماله ، وسوف تأتينا لاحقاً بيانات خاصّة بنكتة عدم الإكراه ، حيث سنتعرّض هنالك إلى الجانب القيمي في الإنسان ، وجدوائية وضوح طريقي الرشد والغي في الجانب الفكري والسلوكي للإنسان ، فانتظر « 1 » . وعلى أيّ حال فإنَّ الظاهر بل الأظهر في المقام هو إرادة الدين بمعناه الخاصّ لا العامّ ، أي الدين الإسلامي لا خصوص مذهب بعينه ، وأما صدق الإسلام الأتمّ على مذهب دون غيره لقوله تعالى : . . . الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً . . . ( المائدة : 3 ) ، حيث ارتباط الأمر بالإقرار بولاية أمير المؤمنين علي عليه السلام ، فهو مع القبول به لا ينطبق عليه ما في المقام . ثمَّ إنَّ الدين بمعانيه اللغوية غير منفيّ في المقام البتّة ، ولكنه ليس مقصوداً ، كما تقدَّم ، فلا يُقال بأنَّ المراد خصوص الطاعة والمتابعة ، وغير ذلك من المعاني الأُخرى ، وإنما المراد تحديداً هو الدين بمعنى العقيدة والملّة ، والذي عرفت مصداقه ، والشاهد على ذلك الجملة التالية لذلك ؛ قال القرطبي : ( الدين في هذه الآية المعتقد والملّة بقرينة قوله : قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) « 2 » . وقد ادَّعى البعض أنَّ المراد من قوله تعالى : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ، هو أنه لا

--> ( 1 ) في الفصل السادس من الباب الثاني ، تحت عنوان : ( النكتة في عدم الإكراه ) . ( 2 ) سيأتي ذلك في القسم الثاني من التفسير الموضوعي ، تحت عنوان : علاقة نفي الإكراه بإشكالية التفويض ، فانتظر . .